حسن الأمين
165
مستدركات أعيان الشيعة
للناصر الوزارة والكتابة والعروض والخزانة وصرفه في عمارة كورة أشبيلية ( 1 ) ولكن لا نعلم في أية سنة وليها ولا متى أعفي منها ، وهل لحق ابن هانئ عهده أم لا . ويذكر المؤلف رجلا آخر كان مولى نعمة لبني أمية ، هو إسماعيل بن بدر بن إسماعيل بن زياد أبو بكر « ولي أشبيلية للناصر عبد الرحمن بن محمد وكان أثيرا لديه ومنادما له وعاش إلى دولة ابنه الحكم المستنصر بالله . . . ذكره ابن الفرضي في تاريخه وذكر أن صناعة الشعر غلبت عليه وهو أحد المكثرين وله الناصر : لو كان يعبد دون الله من أحد ما كان غيرك في الدنيا بمعبود قد فات قدرك وصف الواصفين فما ذكراك ألا بتحميد وتمجيد لما ذكرتك يوما قلت في جزل يا نعمة الله في أيامه زيدي ( 2 ) هذا الرجل الذي ولي للناصر أشبيلية ، وعاش إلى أيام الحكم ، حتى بعد خروج ابن هانئ من الأندلس ، وكان شاعرا هل كانت بينه وبين ابن هانئ صداقة تربط بينهما ، ثم هل جمعت بينهما صنعة الشعر فتصافيا وتحابا حتى لم يطلب منه إلا أن يتغيب حتى ينسى خبره ؟ قد يجوز ذلك ولا أرى مانعا يحول دون هذه المصافاة ، فالرجل شاعر وهو أمير ، وللشعر والشعراء عنده مكانة ، وما أرى إلا أنه اصطحب ابن هانئ حتى ساءت مقالة الناس فيه ، فطلب الأمير من الشاعر أن يتغيب عن البلاد وقتا ينسى فيه خبره . هذا رأي نميل إليه وإن كنا لا نستطيع الجزم به ثم إن بينهما تشابه في الاستعمالات الشعرية والمبالغات فابيات إسماعيل بن بدر التي مرت معنا ، نجد لها شبيها عند ابن هانئ وزنا وقافية ومعنى : وعند ذي التاج بيض المكرمات وما عندي له غير تمجيد وتحميد اتبعته فكري حتى إذا بلغت غاياتها بين تصويب وتصعيد رأيت موضع برهان يبين وما رأيت موضع تكييف وتحديد ( 3 ) فهل يكون هذا التشابه في التفكير والتعبير دليلا على صداقتهما وعيشهما زمنا طويلا معا حتى أثر أحدهما في الآخر ؟ قد يكون ذلك وإن كنا لا نستطيع أن نجزم به مع ميلنا إليه . وثمة نقطة أخرى نود أن نعرض لها بالتفصيل - كنا قد أشرنا إليها سابقا ، وهي كم كان عمر شاعرنا عند خروجه من الأندلس ؟ يتفق صاحب الإحاطة في أخبار غرناطة وصاحب وفيات الأعيان على أن ابن هانئ لما خرج من الأندلس كان عمره سبعا وعشرين سنة ( 4 ) ولم أجد غيرهما تعرض إلى ذكر عمره عند خروجه من الأندلس . بيد أن من يطالع ديوان ابن هانئ يجد فيه إشارات إلى وقائع معينة إذا عرف تاريخ حدوثها أمكن تحديد الزمن الذي قيلت فيه على وجه التقريب ، لا سيما وأن بعضها لا يحفل بآية إشارة شيعية ، أو أية تعابير عقائدية ، فلناخذ مثلا قصيدته التي مطلعها : أرياك أم ردع من المسك صائك ولحظك أم حد من السيف باتك ( 5 ) وقد قالها في مدح المعز ، ونجد أن هذه القصيدة خالية من أية إشارة إلى معركة حربية بل فيها دعوة إلى موالاة الفتوحات : ووال فتوحات البلاد كأنها مباسم ثغر تجتلى ومضاحك وفيها أيضا تعريض ببني أمية الذين نقموا عليه تشيعه ، وحاولوا الفتك به ، فانهزم ، ومما يؤلف في المديح أن يعدد الشاعر أعمال الممدوح المجيدة ، فإذا أغفل ذلك جاز لنا أن نعتقد بان الخليفة لم يكن له بعد من جليل الأعمال ما يستحق الذكر ، وفي مثل هذه الحال كان لنا أن نرى أن اتصال ابن هانئ بالمعز كان عند توليه الأمور ، وتسلمه زمام الحكم في البلاد ، ولم تكن للمعز بعد غزوة تذكر . والمعروف أن المعز تسلم زمام الخلافة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة ( 6 ) وفي قصيدة أخرى يشير إلى غزوة لجيوش المعز إلى أحد ثغور بني أمية بقيادة عامل المعز على صيقيلية الحسن بن علي ، حيث نزل في ساحل المرية ، فغنم وعاد منصورا وقد وقعت هذه المعركة سنة 344 - 955 وفي هذه القصيدة يقول ابن هانئ : لقيت بني مروان جانب ثغرهم وحظهم من ذاك خسر وتتبيبا ( 7 ) بينما يشير في قصيدة أخرى إلى فشل بني أمية في النزول على ساحل المغرب انتقاما لما أصيبوا به من قبل جيش المعز ، وفي هذه المناسبة يقول ابن هانئ : خابت أمية منه بالذي طلبت كما يخيب برأس الأقرع المشط ويظهر أن بني أمية غضبوا لانتهاك حزمة بلادهم ، لذلك « أخرج سيد الأندلس . . . أسطوله مع غالب مولاه إلى ساحل إفريقية فمنعتهم العساكر » ( 8 ) وقد حصلت هذه الواقعة في سنة 345 إذ أنها كانت ردا على غزوة الفاطميين للأندلس . ومما نلحظ هاتين القصيدتين أنهما خلتا من التعابير الشيعية ، والإشارات العقائدية ، إلا من مبالغات مألوفة لدى الشعراء . كل هذا يحملنا على أن نقول بان اتصال ابن هانئ بالمعز كان حوالي سنة ثلاثمائة وأربع وأربعين 344 ، أي عندما كان عمره أربعا وعشرين سنة على أبعد تقدير ، لا كما ذكر ابن الخطيب وابن خلكان من أنه كان ابن سبع وعشرين سنة لما خرج من الأندلس ، ذلك لأنا وضعنا ولادته في سنة 320 ( 932 ) ، ثم إننا نعرف أنه اتصل أولا بجعفر بن علي بن حمدون وأقام زمنا يمدحه قبل أن يتصل بالمعز ، غير أننا لا نرى مانعا من أن يتصل بالمعز في السنة التي اتصل فيها بجعفر بن علي ، إذ يقول ابن الخطيب أنه اتصل أولا بجوهر قائد المعز ومدحه فلم يعجبه عطاؤه ، فسال عمن يفضله ، فدل على جعفر بن علي ، فاتصل به وبقي عنده إلى أن وجهه جعفر إلى المعز ( 9 ) ، وهنا نحار أمام التاريخ إذ أن جوهر لم يغزه المعز إلا سنة ثلاثمائة وسبع وأربعين 347 كما يقول ابن خلدون ( 10 ) وأن أول قائد للمعز من غلمانه هو قيصر الصقلي الذي تركه في العساكر بعد جولته الأولى سنة 342 ثلاثمائة واثنتين وأربعين ،
--> ( 1 ) ابن الأبار - الحلة السيراء - نشر دوزي - ص 137 . ( 2 ) ابن الأبار - الحلة السيراء - ص 138 . ( 3 ) ديوان ق 12 - 210 . ( 4 ) ابن الخطيب ، الإحاطة في أخبار غرناطة ج - 2 - 212 . ابن خلكان ، وفيات الأعيان - 3 - 49 . ( 5 ) ديوان ق 37 . ( 6 ) ابن خلدون تاريخ ج 4 - 46 . ( 7 ) ديوان ق 3 - 42 . ( 8 ) ابن خلدون تاريخ ج 4 - 46 . ( 9 ) ابن الخطيب إحاطة ج 2 - 212 . ( 10 ) ابن الأبار - الحلة السيراء - نشر دوزي - ص 137 .